جيل بين حربين: من الألعاب الرقمية إلى ساحات القتال الحقيقية
تقرير حازم ضياء الدين
لم يعد العنف في حياة الأجيال الجديدة مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار، ولا مجرد مشهد افتراضي داخل شاشة لعبة. بالنسبة لملايين الشباب الذين ولدوا في أواخر التسعينيات وبداية الألفية، أصبح العنف جزءًا من تجربتهم اليومية المركّبة: يعيشونه واقعًا في الأخبار والذاكرة الجماعية، ويختبرونه افتراضياً في ألعاب تحاكي الحروب بدقة مذهلة.
هذا الجيل (المعروف بجيل الألفية المتأخر والجيل زد) نشأ في فترة تاريخية فريدة؛ حين تزامن صعود الألعاب الإلكترونية الحربية مع سلسلة من الحروب والصراعات التي عصفت بالمنطقة العربية. وبين العالمين، الواقعي والافتراضي، تشكّل وعي جيل كامل وهو يشاهد الحروب، ويلعبها في الوقت نفسه.
من رسومات البكسل إلى واقعية السينما
شهدت الألعاب الإلكترونية الحربية منذ بداية الألفية تحولات تقنية هائلة. ففي حين كانت ألعاب مثل Counter-Strike في بداياتها تعتمد على رسومات بسيطة نسبياً، أصبحت ألعاب مثل Call of Duty وBattlefield تقدم تجارب قريبة من السينما، مع مؤثرات بصرية وصوتية متقدمة تجعل اللاعب يشعر وكأنه داخل ساحة المعركة.
هذا التطور لم يغيّر فقط شكل الألعاب، بل غيّر طبيعتها أيضاً. فالألعاب لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل تحولت إلى صناعة عالمية ضخمة تستقطب استثمارات بمليارات الدولارات وتنافس صناعات السينما والموسيقى.
في المنطقة العربية وحدها، بلغ حجم الإنفاق على الألعاب الرقمية نحو 1.92 مليار دولار عام 2023، مع توقعات بتجاوزه 2.6 مليار دولار بحلول عام 2027. ويستحوذ الشباب (خصوصاً جيلي الألفية و زد) على النصيب الأكبر من هذا السوق، حيث تشير الدراسات إلى أن نحو 52% من أبناء جيل الألفية يقضون جزءاً مؤثراً من وقتهم في ألعاب الفيديو.
اضطرابات نفسية لاتتراجع مع التقدم بالعمر
لكن هذا الانتشار الواسع للألعاب الإلكترونية يثير أسئلة عميقة حول تأثيرها النفسي والسلوكي على الأجيال الجديدة.
فوفق دراسة لجامعة سيدني، يعاني جيل التسعينيات من اضطرابات نفسية بنسبة تتراوح بين 20% و30% أعلى من الأجيال السابقة، كما تشير نتائج الدراسة إلى أن هذه المشكلات لا تتراجع مع التقدم في العمر، بل قد تستقر أو تتفاقم.
يربط بعض الباحثين هذه الظاهرة بما يُعرف بـ إدمان الألعاب الإلكترونية، وهو نمط سلوكي يتسم بفقدان السيطرة على وقت اللعب، ووضع الألعاب في مقدمة الأولويات رغم آثارها السلبية على الحياة الاجتماعية أو الدراسية. وفي الحالات المتقدمة، يشبه التعافي من هذا الإدمان – من حيث الصعوبة النفسية – التعافي من بعض أنواع الإدمان السلوكي.
غير أن الصورة ليست سوداء بالكامل. فالدراسات العلمية تكشف جانباً آخر أكثر تعقيداً. فقد أظهرت دراسة أجريت على 2200 طفل تتراوح أعمارهم بين 9 و10 سنوات أن الأطفال الذين يلعبون ألعاب الفيديو بانتظام (بمعدل نحو 21 ساعة أسبوعياً) حققوا أداءً معرفياً أفضل مقارنة بغيرهم، مع نشاط أعلى في مناطق الدماغ المرتبطة بالذاكرة والانتباه.
هل تصنع الألعاب جيلاً أكثر عنفاً؟
يبقى السؤال الأكثر إثارة للجدل: هل تسهم الألعاب الحربية في صناعة جيل أكثر ميلاً إلى العنف؟
الإجابة ليست بسيطة. فبينما يرى البعض أن هذه الألعاب توفر متنفساً نفسياً لتفريغ الطاقة والغضب، يحذر آخرون من تأثيراتها المحتملة على السلوك، خاصة لدى الأطفال والمراهقين.
تشير المختصة في الصحة النفسية جوانا عبود إلى أن الأطفال يحتاجون بطبيعتهم إلى تفريغ مشاعرهم من خلال اللعب، لكن الخطر يكمن في الاندماج المفرط مع اللعبة أو تقليد الشخصيات العنيفة فيها، وهو ما قد يؤدي إلى العزلة الاجتماعية أو إلى تبني أنماط سلوكية عدوانية.
دراسة لجامعة سوينبرن للتكنولوجيا وجدت أن تأثير الألعاب العنيفة يكون أقوى لدى الأطفال الذين لديهم مستويات مرتفعة من التوتر والعصبية. وفي مفارقة لافتة، توصلت دراسة صادرة عن مركز البحوث الاقتصادية الأوروبية عام 2011 إلى نتيجة غير متوقعة: رغم أن الألعاب الحربية قد تزيد من الميل إلى السلوك العدواني، فإنها قد تسهم في انخفاض معدلات الجريمة الفعلية، ربما لأنها توفر بديلاً افتراضياً لتفريغ العدوانية.
من ناحية أخرى، تربط بعض الدراسات الحديثة بين الألعاب العنيفة وارتفاع معدلات التنمر الإلكتروني، حيث يعاني ضحايا التنمر من القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وانخفاض الثقة بالنفس، ما ينعكس سلباً على تحصيلهم الدراسي وحياتهم الاجتماعية.
صناعة بمليارات الدولارات
بعيداً عن الجدل النفسي والاجتماعي، تبقى الحقيقة الأبرز أن الألعاب الإلكترونية أصبحت قطاعاً اقتصادياً عملاقاً.
في العالم العربي، تقود السعودية سوق الألعاب الرقمية بنسبة تقارب 57.6% من إجمالي الإنفاق الإقليمي، تليها الإمارات بنسبة 31.9% ثم مصر بنحو 10.5%.
لكن المفارقة أن مصر تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد اللاعبين، حيث تستحوذ على نحو 58.5% من إجمالي اللاعبين في المنطقة العربية، أي ما يزيد على 40 مليون لاعب.
وقد دفع هذا النمو السريع إلى استثمارات ضخمة، من أبرزها إعلان السعودية إطلاق كأس العالم للرياضات الإلكترونية بأكبر جائزة مالية في تاريخ هذه الصناعة، إلى جانب استثمارات تقدر بنحو 37.8 مليار دولار عبر صندوق الاستثمارات العامة، إضافة إلى مبادرات تمويلية لدعم تطوير الألعاب.
جيل عاش الحروب.. ولعبها
غير أن تجربة جيل الألفية والجيل Z في العالم العربي لا يمكن فهمها من خلال الألعاب فقط.
ففي الوقت الذي كانت فيه هذه الألعاب تتطور بسرعة، كانت المنطقة العربية تعيش سلسلة من الحروب والصراعات العنيفة: بدءاً من غزو العراق عام 2003، مروراً بـ حرب لبنان عام 2006، وصولاً إلى صعود تنظيم داعش وما تلاه من حروب وصراعات إقليمية.
هذه الأحداث لم تكن مجرد وقائع سياسية، بل تحولات عميقة هزّت البنية الاجتماعية والسياسية لعدد من الدول، وأدخلت المنطقة في دوامة من الانقسامات الطائفية والصراعات المسلحة.
بالنسبة لجيل كامل من الشباب، لم تكن الحرب مفهوماً نظرياً. لقد كانت صورها حاضرة يومياً على شاشات التلفاز والهواتف الذكية: مدن مدمرة، موجات نزوح، ومشاهد عنف أصبحت جزءاً من الذاكرة الجمعية.
جيل بين الواقع والافتراض
هكذا نشأ جيل يعيش تناقضاً فريداً: جيل يرى الحرب في الأخبار.. ويعيشها في الألعاب.
بعض الباحثين يصفون هذه الحالة بـ "الاغتراب الحضاري"؛ فهؤلاء الشباب هم من أكثر الأجيال تعليماً واتصالاً بالعالم، لكنهم أيضاً من أكثرها تعرضاً للضغوط النفسية.
لقد شهدوا أزمات متلاحقة في سنوات قصيرة: الأزمة المالية العالمية عام 2008، جائحة كوفيد-19، التغير المناخي، والصراعات الإقليمية المستمرة. وكل ذلك عزز لديهم شعوراً عميقاً بعدم اليقين تجاه المستقبل.
كما يشير بعض الباحثين إلى تأثير ما يُعرف بـ "التدفق الإعلامي العالمي"، حيث تتحول المنطقة العربية غالباً إلى متلقٍ للمحتوى الإعلامي أكثر منها منتجاً له، في ظل تركيز كبير من وسائل الإعلام على فئة الشباب والأطفال باعتبارهم الكتلة السكانية الأكبر.
جيل يكتب مستقبل بلاده
يقف جيل الألفية والجيل Z في العالم العربي اليوم بين عالمين:
عالم الطفولة الذي عرف الألعاب الجماعية والتواصل المباشر، وعالم البلوغ الذي تحكمه العزلة الرقمية والشاشات.
هذا التناقض يولّد مزيجاً معقداً من الحنين إلى الماضي والقلق من المستقبل.
لكن مستقبل هذا الجيل لا يمكن اختزاله في سيناريو واحد. فبينهم من سيحوّل تجربته مع العنف (الواقعي والافتراضي) إلى وعي نقدي وطاقة للتغيير والإبداع. وبينهم من قد يقع في دوامة الإدمان الرقمي أو الاضطرابات النفسية. وهناك أيضاً من يرى في الهجرة الطريق الوحيد للبحث عن الاستقرار، كما تشير بعض الدراسات إلى أن واحداً من كل ثلاثة شبان عرب يفكر في الهجرة.
في النهاية، يبقى المؤكد أن مستقبل المنطقة سيكتبه هذا الجيل نفسه؛ جيل نشأ بين صور الدماء الحقيقية ورسومات الحروب الافتراضية.
والسؤال الذي سيحدد ملامح العقود القادمة هو:
هل سيتمكن من تحويل هذا الإرث الثقيل من العنف إلى حكمة تبني المستقبل، أم سيبقى أسيراً لصورة العالم كما عرفها… ساحة معركة لا تنتهي؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!