ماهي اتفاقية CISMOA؟ وهل تجعل من أرض مصر أكبر قاعدة عسكرية أمريكية؟
بقلم أشرف جابر*
المعركة الأكبر مما يجري في تبادل القصف الاسرائيلي الأمريكي من جانب وإيران من جانب آخر، وحتى تلك الضربات التي تتعرض لها دول الخليج من الجانب الإيراني؛ هي تلك المعركة التي تستهدف عقول ووعي الجماهير. وتُعد منصات التواصل الاجتماعي اليوم مسرحاً مفتوحاً لحروب الجيل الرابع، حيث تُبث الشائعات وتُلوى الحقائق لزعزعة الاستقرار والتشكيك في الثوابت الوطنية ومحاولة الانتقاص من قيمة وسيادة الدول.
من أحدث هذه المحاولات، تداول مقاطع فيديو تروج لادعاءات مغلوطة حول اتفاقية "سيسموا - CISMOA" الموقعة بين مصر والولايات المتحدة، مدعيةً أنها تسلب السيادة الوطنية وتحول الأراضي المصرية إلى قاعدة عسكرية أجنبية.
ما هي اتفاقية CISMOA؟ بعيداً عن التهويل والشعبوية، وتعني "مذكرة قابلية التشغيل البيني للاتصالات والأمن"(CISMOA) هي إطار تقني وأمني بحت، وليست معاهدة سياسية أو تحالفاً هجومياً.
لسنوات طويلة، كانت الترسانة العسكرية المصرية محرومة من الوصول إلى المستوى الأقصى من التكنولوجيا الأمريكية، وتحديداً أنظمة الاتصالات المشفرة، وشبكات القيادة والسيطرة المتقدمة (C4ISR)، وذخائر التوجيه الدقيق. والسبب لم يكن سياسياً بالضرورة، بل قانونياً؛ فالقانون الفيدرالي الأمريكي يحظر تصدير هذه التقنيات الحساسة لأي دولة حليفة دون وجود إطار قانوني يضمن عدم تسريبها أو خضوعها للهندسة العكسية من قبل أطراف ثالثة.
توقيع الاتفاقية في مطلع عام 2018 كان قراراً استراتيجياً براجماتياً من جانب الغدارة المصرية، هدفه الأول والأخير هو الارتقاء بالكفاءة القتالية والتقنية للقوات المسلحة، ودمج منظومات التسليح الحديثة لتواكب متطلبات الحروب السيبرانية والذكية الحديثة.
تفنيد الأكاذيب: بين "المراقبة النهائية" و"السيادة" يعتمد مروجو الشائعات على خلط المصطلحات العسكرية المتخصصة واستغلال غياب المعرفة التقنية لدى المتلقي العادي. الادعاء بأن الاتفاقية تمنح واشنطن حق تحويل مصر إلى قاعدة عسكرية هو محض افتراء. الحقيقة تكمن في بند يُعرف عالمياً بـ "المراقبة النهائية للاستخدام" (End-User Monitoring) .
هذا البند، المطبق مع كافة حلفاء واشنطن بلا استثناء، يسمح للجان فنية أمريكية بالتفتيش الدوري على المُعدات الحساسة المُباعة للتأكد من وجودها في عهدة الجيش المستورد وعدم نقلها لجهات أخرى. وهو إجراء بروتوكولي لحماية الملكية الفكرية العسكرية، ولا علاقة له بإدارة القواعد العسكرية أو السيادة عليها.
أما الادعاء بأن الاتفاقية تتيح استخدام الأراضي المصرية كنقطة انطلاق لحروب إقليمية، فهو يتجاهل أبجديات القانون الدولي. إذ أن CISMOA لا تتضمن أي بنود تتعلق بالتمركز العسكري (Basing Agreements) أو الدفاع المشترك. القرار السيادي بفتح الأجواء أو استخدام التسهيلات اللوجستية يظل قراراً مستقلاً تماماً، تحكمه المصالح العليا للأمن القومي، ولا يُفرض عبر مذكرات تفاهم تقنية.
إن تفكيك هذه الشائعات ليس دفاعاً عن اتفاقية بعينها، بل هو دفاع عن العقل الجمعي ضد محاولات الاستقطاب والتضليل. التحالفات والشراكات الاستراتيجية والعسكرية في العصر الحديث تُبنى على الندية والمصالح المتبادلة، وتحديث الترسانة العسكرية يتطلب أحياناً عبور جسور بروتوكولية دقيقة.
وفي معركة الوعي، يبقى التسلح بالمعلومة الموثقة والفهم العميق للمصطلحات الجيوسياسية هو خط الدفاع الأول ضد طوفان الأخبار المكذوبة.
أشرف جابر - الكاتب الصحفي ورئيس التحرير
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!