الأخبار المزيفة في حروب الجيل الخامس: نموذج "اسماعيل قاآني"

الأخبار المزيفة في حروب الجيل الخامس: نموذج "اسماعيل قاآني"

بقلم أشرف جابر - رئيس التحرير

هذا المقال جزء من تقرير استراتيجي مُفصّل، سوف تنشره Defence MEA غداً الاثنين بإذن الله

مع تعقد الأوضاع الجيوسياسية التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط حاليا، تتجاوز الحروب الحديثة ساحات القتال التقليدية لتمتد إلى عقول الجماهير وقناعاتهم عبر الفضاء الإلكتروني، إذ لم تعد "المعلومة" مجرد ناقل للخبر، بل أصبحت بحد ذاتها سلاحاً استراتيجياً فتاكاً ضمن ترسانة حروب الجيل الخامس والعمليات النفسية (PsyOps).

في مجلة Defence MEA، ندرك تماماً أن مسؤوليتنا لا تقتصر على رصد التحركات العسكرية والصفقات الدفاعية، بل تمتد لتشمل حماية "الوعي الاستراتيجي" لقارئنا الطبيعي والمتخصص. في هذا المقال، نضع بين أيديكم دليلاً تحليلياً مبسطاً لتفكيك الروايات المضللة والدعاية السوداء، وغداً ننشر التقرير كاملاً والذي ريما يناسب المهتمين والباحثين والمتخصصين في الشؤون العسكرية. فالأمن القومي، في جوهره، يبدأ من أمن المعلومات.


مؤخراً، ومع تصاعد حدة الصراعات الإقليمية، وبوجه خاص الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، طفت على السطح ادعاءات دراماتيكية مجهولة المصدر، أو منسوبة لمصادر ومصادر لم تعلن بنفسها، وهو الأمر الذي فرض تساؤلاً جوهرياً: كيف يمكن للمتابع والمتخصص التمييز بين الحقيقة والتضليل الممنهج؟ والتي تستلزم استخدام الآليات التحليلية لرصد الأخبار العسكرية المزيفة.

ومن بينها، تقييم الموثوقية والانتباه لفخ "الأسماء الرنانة"

غالباً ما تعتمد حملات التضليل على إنشاء صفحات أو حسابات بأسماء تبدو رسمية (مثل وكالات الأنباء الوهمية). الأخبار العسكرية الاستراتيجية لا تصدر حصرياً عبر حسابات تواصل اجتماعي غير موثقة قبل أن تؤكدها وكالات الأنباء الدولية أو المتحدثون الرسميون للجيوش.

وكذلك تحليل لغة الخطاب والتوقيت، فالبيانات العسكرية الرسمية تتسم بالجفاف، الدقة، واللغة المباشرة الخالية من العواطف. الأخبار التي تعتمد على الإثارة المفرطة أو حشد تفاصيل متباعدة زمنياً وجغرافياً في حدث واحد هي في الغالب مواد دعائية.


إسماعيل قاآني والأسرى الأمريكيون: نموذجان من ساحة المعركة

ويمثل النموذجان التاليان مثالين على حرب الشائعات والمعلومات خلال الأزمة الراهنة:

حالة إسماعيل قاآني (قائد فيلق القدس): مع تصاعد التوترات وسلسلة الاغتيالات التي طالت قيادات بارزة في إيران، انتشرت شائعات ممنهجة، عبر حسابات غير رسمية مثل ما يُسمى "Israel News Agency" على منصات التواصل، تزعم انشقاق قآني وتواجده في إسرائيل، بل وتدعي هندسته لاغتيال شخصيات محورية مثل إسماعيل هنية وحسن نصر الله.

هذا النموذج يمثل تطبيقاً كلاسيكياً لـ "الدعاية السوداء". فهو يستغل الغياب التكتيكي المؤقت للشخصية عن المشهد لنسج رواية خيالية تتناقض مع الهيكل العقائدي والقيادي المعقد للحرس الثوري. والهدف الاستراتيجي هنا ليس إقناع النخبة، بل إحداث شرخ نفسي، وبث الشك، وهز الثقة في أوساط التحالفات الإقليمية (محور المقاومة)، ومحاولة إظهار اختراق استخباراتي شامل غير واقعي.

النموذج العكسي: ورقة الأسرى والضغط على الجبهة الداخلية: لا تقتصر حرب المعلومات على طرف دون آخر. ومن أبرز الأمثلة التكتيكية المضادة ما صرح به مؤخراً "علي لاريجاني"، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، من ورود تقارير عن نجاح القوات الإيرانية في "أسر" عدد من الجنود الأمريكيين، متهماً واشنطن بإخفاء الحقيقة وترويج روايات مضللة حول مقتلهم بحوادث عارضة.

هذا التصريح يمثل هجوماً نفسياً "جراحياً" يستهدف الجبهة الداخلية الأمريكية مباشرة. مصطلح "أسير حرب" (POW) له وقع زلزالي وحساسية مفرطة لدى الرأي العام الأمريكي وعائلات الجنود تفوق أحياناً إعلان القتلى. الهدف الإيراني هنا هو تأجيج التساؤلات حول شفافية الإدارة الأمريكية، وخلق حالة من الغضب والضغط الشعبي الداخلي لوقف العمليات.

في المقابل، أدركت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) خطورة هذا الفخ النفسي، وسارعت إلى تفعيل بروتوكولات مكافحة التضليل عبر النفي القاطع والشفافية الاستباقية في إعلان الخسائر، متهمة القيادة الإيرانية بـ "الكذب الممنهج" واختلاق انتصارات وهمية لرفع الروح المعنوية المنهارة لقواتها. هذا يوضح كيف أن سرعة ودقة الرد تمثل حجر الزاوية في إجهاض الشائعة الاستراتيجية قبل تمددها.


وإضافة لذلك يشهد الفضاء الرقمي مايمكن تسميته بـ التوظيف التكتيكي للذكاء الاصطناعي (Deepfakes) حيث شهدنا مؤخراً استخداماً مكثفاً لمقاطع صوتية ومرئية مولدة بالذكاء الاصطناعي لقادة سياسيين وعسكريين، إما لإعلان استسلام وهمي، أو لتوجيه أوامر مزيفة بالانسحاب من الجبهات.

يعتمد هذا التكتيك على صدمة اللحظة الأولى (Shock and Awe) قبل أن يتسنى لفرق التحقق التقني دحضها.

وكذك إعادة تدوير المقاطع القديمة، وهو يتم بشكل شبه يومي نشر مقاطع فيديو لقصف صاروخي أو تدمير دبابات من صراعات سابقة (مثل حرب القوقاز أو سوريا) والادعاء بأنها مشاهد حية من الجبهات المشتعلة حالياً في الشرق الأوسط، بهدف تضخيم الخسائر أو تبرير تصعيد مضاد.

الخلاصة: في بيئة أمنية معقدة وسريعة التقلب، يظل الوعي النقدي هو حائط الصد الأول، وخلف كل خبر مزيف تقف جهة تسعى لتحقيق مكسب ميداني أو سياسي، وفهم "الدافع" يفكك نصف الرواية.


إعلان

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!