رجل الأسبوع | بيدرو سانشيز رئيس وزراء أسبانيا

رجل الأسبوع | بيدرو سانشيز رئيس وزراء أسبانيا

بقلم أشرف جابر

قبل انتهاء أسبوعٍ ضج بالتعاسة والانتهازية على المسرح الدولي، اختار فيه معظم قادة العالم (مرغمين) مَسْك العصا من المنتصف؛ اتخذ رئيس وزراء إسبانيا "بيدرو سانشيز" نهجاً مختلفاً حين رفض (بشكل علني) أي مشاركة لبلاده في التصعيد العسكري الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران، وقطع أي مشاركة لوجستية عبر قواعد إسبانية، مع إعلانٍ صريح اختصره في عبارةٍ قصيرة حاسمة: «لا للحرب».

هذا الموقف، الذي تبلور في خطابٍ متلفز أمس الأربعاء، لم يكن مجرد ردٍّ على طلب دعم عسكري؛ بل إعلان سيادة استراتيجية عن حدود المشاركة الإسبانية في صراعات لا ترى فيها حكومته مصلحة وطنية أو قانونية.

القرار العملي الأبرز كان عدم السماح باستخدام القواعد المشتركة في "روتا" و"مورون" (اللتان قال ترامب أنه لايحتاج موافقة أسبانيا لكي يستخدمهما، لكنه لن يفعل!) لتنفيذ ضربات ضد إيران. هذا الرفض يبدو أنه جاء بعد تقييمٍ قانوني وأمني ودبلوماسي يرى أن أي انخراط مباشر قد يجرّ أوروبا إلى حلقة تصعيد لا نهاية لها، ويعرض قواعدها وموانئها لمخاطرٍ مباشرة.

وعلى الرغم من ردود الفعل السريعة والحادة من جانب واشنطن مثل: تهديدات أطلقها الرئيس الأمريكي بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا، إلا أن سانشيز حسم موقف بلاده واختار الدفاع عن خيارٍ أخلاقي‑قانوني، ورفض أن تكون مدريد شريكاً في هذا التصعيد الخطير.

رئيس الوزارء الأسباني لم يتراجع أمام التهديدات؛ بل كرّر أن بلاده «لن تكون متواطئة» مع قرارٍ يرى أنه يخرق مبادئ القانون الدولي ويخاطر بحياة الملايين. هذا التصادم بين مدريد وواشنطن أعاد إلى الواجهة سؤالاً أكبر: إلى أي مدى تستطيع دول أوروبية أخرى، أو الدول الكبرى، أو دول العالم بشكل عام، أن تمارس استقلالية استراتيجية عندما تتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية؟

لفهم هذا الموقف يجب ربطه بخطابٍ أوسع بنى عليه سانشيز رصيده السياسي خلال الأشهر الماضية. في مؤتمر ميونخ للأمن (14 فبراير 2026) قدّم سانشيز رؤيةً أوروبية تقوم على القانون الدولي والحدّ من سباق التسلح، محذّراً من مخاطر العودة إلى منطق التسلح النووي ومن أن الحلول العسكرية ليست بديلاً عن الدبلوماسية المنظمة. موقفه في ميونخ لم يكن مجرد خطابٍ رمزي؛ بل كان إعلان نواياٍ استراتيجي يفسّر رفضه لاحقاً لأي مشاركة في ضربات قد تؤدي إلى تصعيد إقليمي واسع.

لكن سانشيز لا يقرأ السياسة الخارجية بمعزل عن الداخل؛ في قمة الحكومات العالمية في دبي قدّم رؤيةً صارمة تجاه منصات التواصل و«عمالقة التكنولوجيا»، وذهب إلى حد وصف الفضاء الرقمي بأنه يتحول إلى «دولة فاشلة» إذا تُركت الخوارزميات دون رقابة، معلناً عن إجراءات تشريعية لحماية القُصّر والديمقراطية من التلاعب الخوارزمي. هذا البعد يجعل من سانشيز زعيماً يسعى لربط الأمن القومي بالحوكمة الرقمية، ويعرض نموذجاً متكاملاً للسياسة: استقلالية خارجية مع حماية داخلية للمجتمع المدني والمؤسسات.

تأثير هذا الموقف يتوزع على مستويات عدة. أولاً، أوروبياً، قد يمنح قرار مدريد زخماً للحكومات التي تبحث عن مساراتٍ مستقلة عن واشنطن في قضايا الحرب والسلم، ويعيد فتح نقاشٍ حول قدرة الاتحاد الأوروبي على صياغة سياسة خارجية موحّدة قائمة على القانون الدولي.

ثانياً، دبلوماسياً، يضع إسبانيا في مواجهةٍ مؤقتة مع الولايات المتحدة قد تكلفها جزءاً من التبادل التجاري أو الضغوط السياسية، لكن تكسبها رصيداً لدى جمهورٍ أوروبي وعالمي يطالب بالحلول الدبلوماسية.

ثالثاً، داخلياً، يعزّز هذا الموقف صورة سانشيز كقائدٍ مستعدّ لتحمّل مخاطر سياسية واقتصادية دفاعاً عن مبادئه.

إن اختيار بيدرو سانشيز «Man of the week» هنا ليس تكريماً لشخصٍ بقدر ما هو اعترافٌ بلحظةٍ سياسية اتخذت فيها دولة أوروبية قراراً واضحاً يرفض أن تكون طرفاً في حرب غير قانونية. وموقف سانشيز هذا الأسبوع هو تذكير بأن السيادة والالتزام بالقانون الدولي لا يزالان أدواتٍ فعّالة في السياسة، وأن قول "لا" الأخلاقية العاقلة، هي دائماً أقوى من كل "نعم" المدفوعة بالخوف أو المصالح المؤقتة.

إعلان

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!