عيد "نوروز" احتجاج حضاري ضد الدمار والحروب العبثية

عيد "نوروز" احتجاج حضاري ضد الدمار والحروب العبثية

بقلم أشرف جابر

ظُهر أمس، أرسلت عبر واتساب إلى السفير التركي بالقاهرة، سعادة صالح موطلو شن، أستفسر إن كانت احتفالات السفارة بـ "عيد نوروز" التي شرفني بالدعوة لحضورها ستُقام في موعدها أم أُلغيت مثل بعض الفعاليات بسبب نصائح الأرصاد الجوية. رد السفير برسالة: "ألا يعجبك الجو اليوم؟" فقلت له: "بالعكس، أراه رائعاً". قال: "حسناً، لا تتأخر، البرنامج حافل."

وفي المساء عكست الاحتفالية أجواء القاهرة المشرقة بعد يومين من المطر، فبدت المدينة أكثر انتعاشاً وجمالاً. حيث تلاقت، جاليات من تركيا، أذربيجان، كازاخستان، أوزبكستان، وقرغيزستان، إلى جانب حضورٌ مصريٌّ متنوعٌ، ضمّ طلابًا يدرسون اللغة التركية، وأكاديميين، ورجال أعمال، وشخصياتٍ عامة، وصحفيين.

تحول المكان إلى كرنفال مبهج؛ لوحة فسيفسائية تتداخل فيها الأزياء التقليدية، والشعر والموسيقى المحلية، وروائح الأطعمة المميزة لكل دولة. ولا ننسى أن رقعة المحتفلين بـ "النوروز" تمتد جغرافياً لتشمل شعوباً أخرى في قلب منطقتنا، كإيران والعراق وسوريا.

وفي كلمته خلال الحفل، أكد السفير صالح موطلو شن على الرمزية الإنسانية لهذا العيد، قائلاً:

"إن عيد النوروز ليس مجرد احتفاء ببداية فصل الربيع، بل هو تجسيد لروح التآخي والوحدة والشراكة بين شعوبنا. إنه يمثل انطلاقة جديدة نحو الأمل والسلام، وجسراً يربط بين تاريخنا المشترك ومستقبلنا القائم على التعاون والاحترام المتبادل."

وفي بيت السفير، حيث تلاقت جاليات من تركيا، أذربيجان، كازاخستان، أوزبكستان، وقرغيزستان، إلى جانب حضور مصري متنوع مابين طلاب يدرسون التركية، أكاديميون، رجال أعمال، شخصيات عامة وصحفيين. تحول المكان إلى كرنفال مبهج؛ لوحة فسيفسائية تتداخل فيها الأزياء التقليدية، والشعر والموسيقى المحلية، وروائح الأطعمة المميزة لكل دولة. وما يثير الانتباه، أن رقعة المحتفلين بـ "النوروز" تمتد جغرافياً لتشمل شعوباً أخرى في قلب منطقتنا، هي إيران والعراق وسوريا.

أجواء تشبه في بهجتها وروحها النقية، عيد شم النسيم في مصر، والذي تحتفل به هذا العام 13 أبريل، ويعد من أقدم الأعياد الإنسانية ويتم الاحتفال به لأكثر من 4700 سنة دون انقطاع! حيث يحتفل المصريون أيضًا بقدوم الربيع بطريقتهم الخاصة منذ آلاف السنين. وهو أحد الأعياد التي تحرص سفاراتنا أيضاً في معظم دول العالم على الاحتفال بها بمشاركة الجاليات المصرية وأصدقاء مصر في تلك الدول.

ولكن، بعض التأمل يستدرج المرء نحو تصادم وتناقضية هذا الإرث الحضاري والاحتفال بالربيع والطبيعة المبهرة، بواقع جيوسياسي شديد المرارة. ففي الوقت الذي تبتهج فيه الشعوب بتفتح الزهور، يضج الشرق الأوسط بأصوات الانفجارات، وتتلبد غيومها بدخان المدافع، وحصاد الصواريخ المنطلقة هنا وهناك بغير هدى!

إن المشهد الحربي العبثي الراهن، وتحديداً التصعيد العسكري المحتدم بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، يفرض معادلة صفرية مدمرة تتجاوز حدود أطراف النزاع. نحن أمام صراع إقليمي يتم فيه استباحة الجغرافيا، وتتطاير فيه شرارات النار لتطول بلداناً ليست طرفاً مباشراً في هذا الصراع الذي لايحمل أهدافاً واضحة، حيث طالت شظايا الصراع، دول الإمارات، السعودية، الكويت، قطر، البحرين، والعراق، والأردن، لتتحول أجواؤها إلى ممرات للصواريخ والمُسيرات الطائشة.. ما المبرر الذي يجعل أمن واستقرار هذه الدول، واقتصاداتها الناهضة، رهينة لتصفية حسابات جيوسياسية واستعراض للقوة العسكرية خارج الحدود؟

إن هذا الضرر البالغ يشكل استنزاف متعمد لمقدرات شعوب تبحث عن ربيعها في التنمية والتكنولوجيا والازدهار الاقتصادي، لا في خنادق الحروب بالوكالة.

ستبقى رسالة الربيع هي الأقوى؛ فبينما تضج أخبار العالم بتلك الحرب العبثية، تأتي الطبيعة لتذكرنا بقدرتها على التجدد والنمو رغم كل شيء. إن الاحتفاء بالنوروز وشم النسيم هو في جوهره انحياز للحياة في مواجهة الفناء، ودعوة رمزية بأن السلام العادل هو الفطرة التي يجب أن تزهر في قلوبنا وعلاقاتنا الدولية. لعلّ ذلك الرقي الذي تعلنه الزهور والموسيقى، وصوت العقل الدبلوماسي، تكون هي الغالبة، لتمحو آثار البارود، وتبني جسوراً من الأمل لا تكسرها صواريخ السياسة المتهورة.


إن الاحتفاء بالربيع ليس مجرد طقس موسمي، بل هو فعل مقاومة رمزي ضد الفناء.. هو احتجاج صامت ضد لغة البارود، فكما تزهر الأرض بعد شتاء طويل، يمكن للعلاقات الدولية أن تزهر إذا ما انحازت قيادات الدول للسلام، وإذا ما أدركت أن الفطرة الإنسانية هي الحياة لا الموت، البناء لا الهدم.

نوروز ليس مجرد احتفال، بل رسالة حضارية تقول للعالم إن السلام هو الأصل، والحرب ليست قدراً محتوماً.


إعلان

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!