إذا كانت إيران على بعد عشرة أيام فقط من التخصيب الكامل، فماذا قصفت واشنطن الصيف الماضي؟
قراءة نقدية في تصريحات "ويتكوف" و"نتنياهو"
تقرير: أشرف جابر
في خضم التصعيد العسكري المتشعب، خرج مبعوث الرئيس الأمريكي، ستيف ويتكوف، بتصريح لافت زعم فيه أن إيران كانت على بعد 10 أيام فقط من تخصيب اليورانيوم بنسبة 90% وصنع سلاح نووي. وأضاف أن طهران رفضت عرضاً أمريكياً يقضي بوقف التخصيب مقابل تكفل واشنطن بتزويدها بالوقود النووي!
هذا التصريح، الذي تصدر شاشات الأخبار كنبأ عاجل، يثير (عند وضعه تحت المجهر) تساؤلات جوهرية حول مدى تماسكه المنطقي، والسياق السياسي والعسكري الذي وُلد فيه لتبرير المواجهة الحالية.
ما الذي قصفته واشنطن يونيو الماضي؟
تكمن الإشكالية الأولى والأبرز في التناقض الصارخ بين فحوى تصريحات ويتكوف وبين الخطاب الرسمي للرئيس دونالد ترامب نفسه.
ففي أعقاب الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية في 19 يونيو 2025، خرج ترامب ليعلن صراحة وبثقة أنه نجح في "القضاء على المشروع النووي الإيراني." وإذا كانت تلك الضربات قد حققت أهدافها بالفعل وتم تدمير المشروع من جذوره كما ادعت الإدارة الأمريكية حينها، فكيف يمكن القول الآن -بعد أقل من عام- إن طهران تقف على مسافة 10 أيام فقط من صنع قنبلة نووية؟!
هذا التناقض المباشر يضع المتابع أمام استنتاجين: إما أن إعلانات النصر العسكري السابقة في صيف 2025 كانت مجرد استعراض سياسي وإعلامي يفتقر للدقة، أو أن تصريحات ويتكوف الحالية هي تهويل مصطنع يُستخدم بأثر رجعي لتبرير استمرار الحملة العسكرية وتوسيع نطاقها. التي يبدو بوضوح أن تفسيرها الوحيد والمؤكد، هو تحطيم إيران وتغيير نظامها السياسي بالقوة العسكرية من جانب، والمزيد من الابتزاز السياسي والاقتصادي لدول المنطقة.
صدى لتل أبيب: سردية مشتركة
لا يمكن عزل لغة المبعوث الأمريكي عن القاموس السياسي الإسرائيلي. فتحديد أطر زمنية قصيرة وحرجة (أيام تفصل إيران عن السلاح النووي) هي استراتيجية خطابية كلاسيكية اعتمدها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لسنوات طويلة لحشد الدعم الدولي لعمليات استباقية. نتنياهو صرح في نفس اليوم أن إيران كانت على مسافة شهر واحد من تصنيع القنبلة!
تطابق تصريحات ويتكوف مع هذا الخطاب يوحي بوجود تنسيق تام ليس فقط على مستوى غرف العمليات العسكرية، بل إعلامياً أيضاً؛ بهدف توحيد السردية الأمريكية-الإسرائيلية، وتقديم الحرب الحالية للمجتمع الدولي كـ "ضرورة وجودية" لا مفر منها.
تهميش مقصود للوكالة الدولية للطاقة الذرية
القفز فوق المؤسسات الدولية هو الثغرة الأكبر في هذه الرواية. حتى وقت قريب جداً، كانت هناك جهود دبلوماسية مكثفة ومسارات تفاوضية تقودها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي شملت اجتماعات في القاهرة.
اللافت هنا هو المسارعة الأمريكية لإعلان "الرفض الإيراني" (الذي نقرأ عنه لأول مرة) دون انتظار إعلان رسمي من الوكالة يفيد بفشل المساعي الدبلوماسية نهائياً أو يؤكد وصول المخزون الإيراني إلى العتبة العسكرية الحرجة. هذا التهميش المتعمد يطرح تساؤلاً مشروعاً: لماذا لم تنتظر واشنطن الغطاء الفني والقانوني من الجهة الأممية المختصة؟ الإجابة قد تكمن في أن قرار اللجوء للخيار العسكري كان متخذاً سلفاً، وأن الدبلوماسية لم تكن سوى محطة عبور.
الموقف الأوروبي: توجس من الرواية المزدوجة وتمسك بالمسار الفني
هذا التخبط في السردية الأمريكية يضع العواصم الأوروبية (خاصة الترويكا: باريس، لندن، وبرلين) في موقف بالغ التعقيد. فأوروبا، التي تتشارك مع واشنطن المخاوف بشأن البرنامج الإيراني، تميل تاريخياً إلى الاعتماد على التقارير الفنية للوكالة الدولية للطاقة الذرية بدلاً من التقديرات الاستخباراتية الأحادية التي تسبق الحروب.
التصريح الأمريكي المزدوج (نجاح الضربات عسكرياً مقابل التحذير من قنبلة خلال 10 أيام) طبيعي أن يعمق الشكوك الدولية والأوروبية في نوايا التصعيد. ومن المفترض أن تنظر أوروبا بتوجس إلى تهميش دور الوكالة، حيث أن إجهاض مسار التفاوض الأخير بشكل أحادي من قبل واشنطن قد يسحب الغطاء الشرعي عن أي تحرك عسكري واسع، ويهدد بجر القارة العجوز إلى تبعات حرب إقليمية غير محسوبة لم تشارك في اتخاذ قرارها.
في الختام، يبدو تصريح ويتكوف، رغم صياغته التحذيرية، أقرب إلى أداة سياسية لتسويق استمرارية العمليات العسكرية الحالية منه إلى تقييم استخباراتي فني صرف. ويكشف عن أزمة في بناء رواية متماسكة تتوافق مع ادعاءات "الانتصار العسكري" من جهة، وتحترم دور وآليات المؤسسات الدولية وتطمين الحلفاء من جهة أخرى، مما يجعل هذا التصريح محاولة مكشوفة لهندسة المبررات بعد إطلاق الرصاص، لا قبله.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!